خلف الكواليس، كانت التوترات تغلي لسنوات بين السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما حليفان قويان للولايات المتحدة. وقد تطلّب الأمر اتصالاً من الرئيس دونالد ترامب لإخراج تلك التوترات إلى العلن بشكل صاخب. ففي تشرين الثاني، اتصل ترامب بالرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد لمناقشة محادثة خاصة كان قد أجراها مع الحاكم الفعلي للسعودية، وفقاً لـ4 أشخاص أطلعهم مسؤولون إماراتيّون على فحوى الاتصال.
وكشف الأربعة، أنّ ترامب نقل أنّ ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، طلب منه فرض عقوبات على الإمارات خلال زيارة إلى البيت الأبيض، وأنّ هذه العقوبات كانت بسبب دعم الحكومة الإماراتية لجماعة مسلحة تقاتل في الحرب الأهلية في السودان.
وقدّم مسؤول سعودي رواية مختلفة، قائلاً إنّ الأمير محمد طلب من ترامب فرض عقوبات إضافية على الجماعة المسلحة السودانية لمنعها من الحصول على دعم خارجي، وليس فرض إجراءات على الإمارات مباشرة. وأضاف أنّ القيادة السعودية قدّمت هذا الطلب لأنّها اعتقدت أنّه إذا تراجعت الحكومة الإماراتية، فإنّ الحرب في السودان ستنتهي. وأوضح مسؤول أميركي أنّ الأمير محمد لم يطلب قَط من ترامب فرض عقوبات على الإمارات، لكنّه لم يُعلِّق على الاتصال.
على رغم من الخلاف حول التفاصيل، فإنّ التداعيات ليست موضع خلاف. فبعد وقت قصير من اتصال ترامب، انفجرت التوترات الكامنة بين الحكومتَين السعودية والإماراتية إلى نزاع علني. وأكّد الأشخاص الأربعة المطّلعون على المحادثة، أنّ المعلومات التي نقلها ترامب أثارت غضب كبار المسؤولين الإماراتيِّين، الذين شعروا بالخيانة من السعودية، التي كانت يوماً أحد أقرب حلفائهم. وسرعان ما تدهورت العلاقات، لتبلغ أدنى مستوياتها في كانون الأول، عندما قصفت السعودية شحنة إماراتية متّجهة إلى اليمن.
الخلاف بين الجارتَين له عواقب بعيدة المدى، مع القدرة على تحريك الأسواق وتأجيج الحروب. وقد أعادت منافستهما على الهيمنة في المنطقة تشكيل مستقبل اليمن وتُهدِّد بتفاقم النزاعات في القرن الأفريقي، حيث تموضعا على طرفَي نقيض في عدة دول. كما يمثّل هذا الانقسام صداعاً ديبلوماسياً محتملاً لإدارة ترامب، التي تأمل في كسب دعمهما لسياساتها في الشرق الأوسط، بما في ذلك في غزة وإيران.
وحظِيت الحرب الأهلية المدمِّرة في السودان سابقاً باهتمام محدود من إدارة ترامب. فالسعودية تدعم القوات المسلّحة السودانية، بينما الإمارات هي الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، الجماعة شبه العسكرية. وهناك أدلة كبيرة على أنّ الإمارات قد حوّلت أموالاً وأسلحة وطائرات مسيّرة إلى هذه القوات.
وفي الأشهر الأخيرة، واجهت الإمارات انتقادات دولية متزايدة مع اتهام قوات الدعم السريع بارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان، خصوصاً حول مدينة الفاشر في دارفور. وأكّد خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، أنّ حملة قوات الدعم السريع تحمل «سمات الإبادة الجماعية».
وأعلنت الحكومة الإماراتية في بيان لـ»نيويورك تايمز» أنّها «ترفض بشكل قاطع الاتهامات» بأنّها قدّمت دعماً مادياً لقوات الدعم السريع، وأنّ دورها في الحرب يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية ودعم جهود وقف إطلاق النار.
من شركاء إلى خصوم
قبل عقد من الزمن، كان الشيخ محمد والأمير محمد شريكَين مقرّبَين، ومتوافقَين إلى حدٍّ كبير في أولوياتهما عبر المنطقة. وقد انضمّا معاً إلى تدخّل عسكري كارثي في اليمن لصدّ متمرّدي الحوثيِّين. ولاحقاً تعاونا في محاولة لعزل قطر، متهمَين حكومتها بدعم الإرهاب، وهو ما نفته قطر.
على مدى السنوات القليلة الماضية، حوّل الأمير محمد تركيز السعودية نحو الداخل، مؤكّداً أنّها تحتاج إلى الاستقرار في الشرق الأوسط من أجل تنويع اقتصادها بنجاح. وبدأت طموحاته لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة تتصادم بشكل متزايد مع طموحات دبي، أكبر مدينة إماراتية والعاصمة المالية للشرق الأوسط.
في المقابل، انتهج الشيخ محمد سياسة خارجية أكثر حزماً للإمارات. ويبدو أنّ هذه الاستراتيجية تستند، جزئياً على الأقل، إلى العداء للإسلام السياسي، الذي يراه تهديداً إقليمياً وأمنياً وطنياً.
ويشرح مسؤولون إماراتيّون في أحاديث خاصة أنّهم يرَون قوات الدعم السريع في السودان حليفاً في هذه المعركة الأوسع، لأنّها تقاتل الجيش السوداني، الذي «لديه ميول إسلامية خطيرة». كما افترض باحثون أنّ القيادة الإماراتية طوّرت طموحات شبه إمبراطورية، مستخدمةً ثروتها لاكتساب النفوذ والموارد بعيداً من حدودها. وأصبحت الإمارات واحدة من أكبر المستثمرين في القارة الأفريقية.
ويبدو أنّ الحرب في السودان، المستعرّة منذ عام 2023، تحوّلت إلى نقطة اشتعال رئيسة خلال العام الماضي. فبالنسبة للأمير محمد، يشكّل الصراع في السودان تهديداً أمنياً محتملاً، مثيراً شبح دولة فاشلة على الضفة الأخرى من البحر الأحمر مباشرة قبالة بلاده.
وأكّد المسؤول السعودي أنّه بعد عامَين من محاولة إقناع الإمارات بقطع علاقاتها مع الجماعة، سعت السعودية إلى الحصول على مساعدة الولايات المتحدة. ولا يزال من غير الواضح تماماً ما الذي قاله الأمير محمد لترامب خلال زيارته إلى البيت الأبيض، على رغم من أنّه يبدو أنّه طلب المساعدة في إحلال السلام في السودان.